محمد الريشهري
2835
ميزان الحكمة
ثم ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الأمور ، ثم يحب انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل ، وهو - كما عرفت - مطلق التجنب عن الإفراط والتفريط أي العمل الصالح أعم من العدل في الرعية . ثم وصفه بقوله : * ( وهو على صراط مستقيم ) * وهو السبيل الواضح الذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج ، والإنسان الذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانية من غير أن يناقض بعض أعماله بعضا أو يتخلف عن شئ مما يراه حقا ، وبالجملة : لا تخلف ولا اختلاف في أعماله . وتوصيف هذا الرجل المفروض الذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أولا : أن أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبر ونسيان نفسه ، بل هو مستقيم في أحواله وأعماله يأتي بالعدل كما يأمر به . وثانيا : أن أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه ، بل هو في نفسه على مستقيم الصراط ، ولازمه أن يحب لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق ويجتنبوا حاشيتي الإفراط والتفريط . وأما السؤال - أعني ما في قوله : * ( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل . . . ) * إلخ - فهو سؤال لا جواب له إلا النفي لاشك فيه ، وبه يثبت أن ما يعبدونه من دون الله من الأصنام والأوثان - وهو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه ولا أن يهدي غيره - لا يساوي الله تعالى وهو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل وتشريع الشرائع . ومنه يظهر أن هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى : * ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) * ( 1 ) فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته وأفعاله ، ومن استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجه إليها فلا يكون الخلق باطلا ، كما قال : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ) * وأن يهدي كلا إلى غايته التي تخصه كما خلقها وجعل لها غاية ، كما قال : * ( الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) * ( 2 ) ، فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال : * ( وعلى الله قصد السبيل ) * ( 3 ) ، وقال : * ( إنا هديناه السبيل ) * ( 4 ) . وهذا أصل الحجة على النبوة والتشريع ، وقد مر تمامه في أبحاث النبوة في الجزء الثاني وفي قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب . فقد تحصل : أن الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة والتشريع . وقيل : إنه مثل مضروب فيمن يؤمل منه الخير ومن لا يؤمل منه ، وأصل الخير كله من الله تعالى فكيف يستوي بينه وبين شئ سواه في العبادة ؟ ! وفيه : أن المورد أخص من ذلك ، فهو مثل
--> ( 1 ) يونس : 35 . ( 2 ) طه : 50 . ( 3 ) النحل : 9 . ( 4 ) الدهر : 3 .